حوار القارئ مع النّص الصامت : -ياسر أغا - الجزائر



إنّ الحديث عن أيّ نصٍ مهما كان جنسه و نوعه و لنفرض أنّ النّص هو نصٌ أدبي،إنّما هو الحديث في المقام الأوّل عن هويّة جِمَالُوجيّةٍ ،كشكلٍ من أشكال التّعبير له شروطه الإبداعية بمكوّناتها الغراماتولوجيّة،كممارسةٍ لها قواعدها و أدواتها التي تجسّدها ،إذ تحقِّقُ بمقصدياتها أثرًا لدى الطّرف الآخر ،يجمع بينهما مأوى الكينونة تلك القوّة الإنسانية التي يؤدّي بها الكاتب رسالته نحوَ المتلقي ،فمهمّة الكاتب و هو يكشف العلاقات الجديدة بين الأشياء و المفردات،و إدراكه للروابط و الحلقات المفقودة فيما بينها،هي عمليةٌ واعيةٌ يقف فيها العقل جنبًا إلى جنبٍ مع الانفعال و الإلهام ،ليَصُوغَ لنا واقعًا كلّيًا لا منحصرًا في أشكال هندسيّةٍ ،تتحرّك وِفقَ منظومة دوافعه لينقل لنا شيئًا جديدًا إلى الآخر ،منطلقًا ممّا هو معروف ،إلى حقيقة ما هو موجود، ليُشكّل قالبًا فنّيًا جديدًا بسمات ذاتيّة ،مستمدّة من تجارب خاصّة ،ممّا يؤدّي إلى لغةٍ فنّيةٍ خاصّة تتشابك في بِنْيَتِها مع جملةٍ من العلاقات الدّاخلية ،فتمنح العمل الفنيَّ طاقةً داخلية نلتمس في أعماقها مواطن الإبداع لنبحث عن علاقة هذه الأطُر بالأطر الخارجية ، فالنّص الأدبي هو عبارة عن منظومة من التخطيطات ،أو التوجيهات العامة التي يجبُ أن يحقّقها القارئ ،وبدونه-"أي القارئ"- لا تكون هناك نصوص أدبية على الإطلاق ،فالعلاقة بين القارئ و النّص تحتكم إلى مكوّن الاختيار الذي يرتهن هو الآخر إلى قيمةٍ من القيَم، أو إلى عنصر الذوق بحثًا عن المتعة، و هو ما  اصطلح عليه رولان بارت بلذّة النّص، و من المُسَلَّمِ به أنّه لا توجد قراءة بدون هدف، مادامت قراءة نصٍ من النّصوص الأدبية بمثابة تنبيه يتعلّق بالمضمر في النّص و الذي يتطلّب الاستكشاف من أجل الوصول إلى إدراكه، خاصّةً و أنّ كلّ قراءةٍ هي بمثابة بحث و البحثُ يمسُّ المعنى،إذن فإنّ في كلّ نصٍ ثمّة معنى للكاتب و آخر للقارئ ،فالأوّل يتحقق إدراكه عن طريق القراءة ما دام غير مدرك ،و لا يمكن توقّعه ،بينما الثاني حصيلة المرجعيات الممتلكة من لدن القارئ ،و التي يجنح للوصول إلى كفايتها ،و مادامت الغاية هي المعنى ،فإنّ القارئ يُسهم في إعادة البناء و الانتاج لإفراز الدلالات الجديدة ،أي إعادة بناء المقروء ،و بالتالي إنتاج مُنتَج سابق وِفقَ صيغةٍ مقبولة، مؤهلةٍ للتداول، تتحقّق بالمقارنة بين معنى سابق و آخر مُعطى ،و بنقد اللاحق ،إذا ما كانت المؤهلات متوفرة ،و بتقييم النّص و بيان إضافته كأثر و ذلك حسب جنس النّص.فمن أساسيات نظرية القراءة هو ذلك التفاعل بين القارئ و النّص،فالنّص يمتد في القارئ و القارئ يمتد في النّص و هنا تحدث الاستجابة و هي نوعٌ من التواصل بينهما ،فالقارئ يتلقى النّص كاستخدامات لغوية في الأدب و الحياة و رغم أنّه لايجيب الكاتب،إلاّ أنّه يشعر أنّه يخاطبه،و إذا كان هذا على مستوى النّص الأدبي بصفة عامة ،فإنّ القارئ عندما يدخل اللّعبة السردية فإنّ المشهد السردي يستقطب من زاوية مغايرة ،حيث تكثر قنوات الاتصال و تدخل في حوارية كما سمّاها باختين.و من هنا فالنّص من حيث هو بنية تواصلية،يمثل حلقة الاتصال بين المؤلّف و القارئ حيث الكتابة تستدعي فعلا القراءة.و يصبح وجود النّص و حضوره متعلّقًا بوجود القارئ،ليشكّلا معًا ثنائية متكاملة و متكافئة و ضرورية،إذ كلاهما يعتمد في وجوده على وجود الآخر ،فالنّص بلا قارئ وجود مطمور ،و القارئ بلا نص وجود موات،إذ يستغرق القارئ في طقوس النّص و يصبح كالمتعبّد،لكن ليس في تبعية مطلقة للنّص لأنّ فعل القراءة ذو طبيعة جدلية تتقايض التأثير و التأثر،و قد ينشأ عن هذا التلاقي و التفاعل المتبادل بين القارئ و النّص صراعٌ من أجل اكتشاف و تحصيل المعنى ،الذي يشكل الأرض المشتركة التي تضمهما معًا،و من هنا يبدأ الحديث عن متاهات النّص و صراع التأويلات، فالكاتب إذن  عليه أن يفكّر في شريكه الآخر –المتلقي- الذي يحاوره ، و يقيم معه هذه العلاقة ، و هو يكتب إليه وله و شريكه الافتراضي هذا يختلف عنه في درجة الاستجابة و الفهم و التقبل،و حريّة التأويل و الاستعداد النفسي و المَيْلُ، بقدر ما تجمع بينهما ضرورات معيّنة تفرضها الحياة و التحدّيات أو حق المتعة ،و تربط بينهما مواضعات اجتماعية و فنّية جمالية و تقنية.نستى فيك

ads


شاهد ايضا